الماضي المظلم وغير المعروف للطبيب الشهير هانز اسبرجر

كان للدكتور هانز اسبرجر (Hans Asperger)، وهو رائد في ابحاث التوحد، والذي يُستخدَم اسمه لوصف الاشخاص المصابين بالتوحد عالي الاداء مع الاضطرابات (متلازمة اسبرجر)، ماض مظلم وغير معروف والذي اشتمل على ارسال الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الى برنامج “القتل الرحيم” الذي يديره النظام النازي، وذلك وفقاً لتحقيقات جديدة اجريت على ملفاته المفقودة منذ فترة طويلة.

كشفت النتائج الجديدة ان اسبرجر كان بعيداً كل البعد من ان يكون مدافع شجاع لمرضاه ضد “القتل الرحيم” للنازيين، كما يتصور البعض. بدلاً من ذلك، ووفقاً لدراسة نُشرت على الانترنت بتأريخ 19 ابريل/نيسان في مجلة التوحد الجزيئي (Molecular Autism)، فقد استفاد من تعاونه مع النظام النازي ومن “سياسات الممارسات الشرعية العلنية، وبضمنها التعقيم القسري”.

كتبت باحثة الدراسة والمؤرخة الطبية في جامعة فيينا الطبية (the Medical University of Vienna)، هيرويغ تشيك (Herwig Czech)، ان اسبرجر استخدم لغة “قاسية بشكل ملحوظ” لوصف مرضاه الصغار، مقارنة مع المختصين من نفس مستوى البراعة والذين كانوا مشرفين على مرضى يعانون من اعاقات اكثر شدة.

كتب هانز اسبرجر (1906-1980) عن مرض التوحد في اواخر الثلاثينات واوائل الاربعينات من القرن العشرين، لكن ورقة بحث ليو كانير (Leo Kanner) الشهيرة لعام 1943 كانت الاساس في وصف الاضطراب، والذي يُعرف الان بأنه حالة اضطراب النمو العصبي الذي يؤثر على قدرة الشخص في التواصل، والتفاعل، والتصرف مع الاخرين في المواقف الاجتماعية.

على الرغم من عمل وابحاث اسبرجر الاولى في التوحد، الا ان التأريخ وضعه في طي النسيان حتى سنة 1981، وذلك عندما اعاد العلماء اكتشاف اعماله ونشرها. اصبح بحثه مشهور للغاية لدرجة ان مصطلح “متلازمة اسبرجر” أُستخدم للاشارة الى الاشخاص في نهاية الاداء العالي لسلسلة التوحد، والذين يطلقون على انفسهم احياناً اسم “اسبيز” (Aspies : اي المصابون بهذا المرض)

لكن في السنوات الاخيرة، بدأ الباحثون بالعثور على ادلة مثيرة للقلق حول سلوك اسبرجر خلال فترة حكم النازية في النمسا، وهو المكان حيث عاش. حفزت هذه الادلة بحث تشيك، وكذلك ايديث شيفير (Edith Sheffer)، وهي زميل اقدم في معهد الدراسات الاوروبية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، والتي الفت كتاب بعنوان “اطفال اسبرجر : اصول مرض التوحد في فيينا النازية” الذي صدر في 1 مايو/آيار.

قالت تشيك ان المكاشفات الجديدة تستند بشكل كبير على ادلة كان يُعتقد انها دُمرت خلال الحرب العالمية الثانية، وهي ملفات شخصية لاسبرجر، وتقييمات سياسية من السلطات النازية، وسجلات طبية من مختلف المؤسسات، بما فيها عيادة “القتل الرحيم” الشهيرة للاطفال “ام شبيجلراند” (Am Spiegelgrund).

كتبت تشيك في الدراسة ان اسبرجر لم ينضم الى الحزب النازي ابداً، في حين انه كان عضواً في العديد من الجماعات المرتبطة بالنظام، وكان يُكافأ على ولائه بفرص العمل ، كما وجدت تشيك.
تكشف سجلات حالات مرضاه اليهود انه “كان لاسبرجر حس حاد باختلافاتهم الدينية والعنصرية وقد وجدت طبائعهم المعادية لليهود طريقها الى تقارير تشخيصاته”.

قالت تشيك ان نشاطات اسبرجر الغامضة تدور حول عمله مع عيادة (Am Spiegelgrund)، حيث يُستخدم المئات من الاطفال ذوي الاعاقة كحقل تجارب او يقتلون.

احال اسبرجر سنة 1941، على سبيل المثال، حالتين من الحالات “الميؤوس منها” وهي الطفلة هيرتا شريبر (Herta Schreiber) البالغة من العمر 3 سنوات، والطفلة اليزابيث شريبر (Elisabeth Schreiber) البالغة من العمر 5 سنوات الى عيادة (Am Spiegelgrund) وفقاً لما اظهرته السجلات.عانت البنتان الصغيرتان من اعاقة ذهنية وتوفيتان جراء الاصابة بالتهاب رئوي بعد فترة ليست بطويلة من وصولهن الى العيادة. وجدت تشيك انه من المرجح ان هيرتا قد اعطيت نوع من المهدئات وهو الباربتيورات وهو ما ادى الى وفاتها.

انه غير واضح ما اذا كان اسبرجر، او امهات الاطفال العالمون بهذا الشأن، قد علموا ما كان ينتظر اولئك الاطفال. كتبت تشيك في الدراسة :”كل ما لدينا للاعتماد عليه هو ملاحظات اسبرجر عن هيرتا، والتي يذكر فيها “وضعها الدائم” في العيادة، سواء كان تعبيراً واضحاً للقتل او لا، من الواضح انه لم يتوقع عودة هيرتا”

وجدت تشيك ان اسبرجر كان ايضاً عضواً في لجنة تفقدت حالات 200 طفل في مستشفى للامراض النفسية، ووصف 35 منهم بالـ”غير قادر على التعلم” او “عاطل عن العمل” وهي كلمات استخدمها لتمميز الاطفال الذين سيطبق عليهم “القتل الرحيم”. قالت تشيك انه من الصعب معرفة ماحدث لهؤلاء الاطفال بسبب عدم ذكر التقرير لاسمائهم، لكن من الممكن ان العديد منهم قد ماتوا نتيجة هذه التشخيصات المؤذية.

– المضي قدماً

قالت تشيك انه لا ينبغي على الناس اعتبار مساهمات اسبرجر في مجال التوحد مشوبة، على الرغم من هذه الاكتشافات، ولا ينبغي ازالتها من المعجم الطبي. وقالت “بدلاً من ذلك، ينبغي ان يُنظر اليها كفرصة لتعزيز الوعي” حول الظروف المقلقة التي نشأ فيها التوحد من مساهمات اسبرجر في ذلك.

لكن شيفير، مؤلفة الكتاب الجديد، لا توافق على ذلك بشدة.

وقال شيفير في رسالة الكترونية ارسلتها لموقع لايف ساينس (Live Science) :”في ضوء هذا البحث، لا ينبغي علينا استخدام مصطلح ‘متلازمة اسبرجر’. في الطب، يتم منح التشخيصات المسماة للاعتراف بالافراد الذين عرفوا حالة لاول مرة وكذلك لتكريم حياتهم. برأيي، لا يتميز اسبرجر بأي من هذه المعايير.”

في هذه الاثناء، يتم التخلص بالتدريج من مصطلح ‘متلازمة اسبرجر’، ليس بسبب ماض اسبرجر، لكن الاطباء النفسيين يقولون انه يقع تحت ظل اضطرابات طيف التوحد ويجب الاشارة اليه بمرض التوحد فقط.

توقف الدليل التشخيصي والاحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، دليل جمعية الطب النفسي الامريكية للتشخيص، عن ادراج مصطلح ‘متلازمة اسبرجر’ في نسخته (DSM-5)، والتي صدرت سنة 2013.

والاكثر من ذلك، كتب الاستاذ المساعد للدراسات التربوية في جامعة كالغاري (the University of Calgary)، ادم مكريمون (Adam McCrimmon)، على موقع ذا كونفرسيشن (The Conversation)، انه من المرجح ان يتخلى التصنيف الدولي للامراض (ICD) والتي تستخدمه منظمة الصحة العالمية (WHO)، عن استخدام المصطلح في نسخته (ICD-11)، والذي من المقرر نشره سنة 2019.

 

 

 

 

 

 

ترجمة: Tabarek Oday

تدقيق: Jazmin A. Al-Kazzaz

تصميم ونشر: Tabarek A. Abdulabbas

المصدر: هنا