القلق: هل هو مرض؟


ترجمة: رند سامي

يُعد القلق حالةً نفسية طبيعية وضرورية، تنشأ من التوجس (الخوف الإستباقي) إزاء ما قد يحمله المستقبل أو لا يحمله. وغالباً ما تصاحبه مجموعة من الأحاسيس الجسدية المزعجة، مثل التململ وتسارع ضربات القلب، تؤدي وظيفة تنبيهية تسترعي انتباهنا إلى احتمال وجود خطر. فالقلق، في أصله، آلية تحذير تحث الإنسان على الاستعداد واتخاذ التدابير اللازمة لحماية نفسه.
ومن ثمّ، فإن نوبات القلق العارضة أمر طبيعي تماماً، بل تمثل إحدى التكاليف الحتمية للحياة والبقاء. لكن المخاوف قد تخرج أحياناً عن نطاق السيطرة، فتشتد أو تطول إلى حد يعوق قدرة الدماغ على تقدير الخطر المفترض تقديراً عقلانياً. وقد يظل الدماغ عالقًا في حالة تأهب قصوى، فينشط مراراً انحيازه نحو المعلومات السلبية، ويواصل البحث عن دلائل الكوارث والتهديدات في كل ما يحيط به. وعندما يبدأ القلق بإعاقة أداء المهام اليومية أو التسبب في ضيق نفسي يفوق ما يقتضيه الموقف، فإنه يغدو اضطراباً يحتاج إلى الانتباه والعلاج.
لماذا يبدو الإنسان شديد الاستعداد للقلق؟
قد تبدو قابلية الإنسان للقلق أمرًا محيراً، ولا سيما عندما تؤدي مواقف عادية وغير مؤذية إلى إثارة توقعات عاطفية سلبية هائلة. غير أن هذه القابلية تمثل، في أصلها التطوري، أداةً طبيعية تساعد على البقاء، وجزءاً أساسياً من منظومة الدفاع البشري.
ويمكن القول إن كل إنسان يعيش اليوم هو وريث دماغ امتلك قدرة كافية على القلق، مكنت أسلافه من اكتشاف التهديدات مبكراً والاستجابة لها والنجاة منها عبر العصور. فالدماغ الذي كان أكثر حساسية لاحتمال الخطر كان أقدر، في كثير من الأحيان، على حماية صاحبه من المخاطر الواقعية.
وعندما يظل القلق في مستوياته المعتدلة، فإنه قد يشكل ميزةً في الحياة اليومية، إذ يحفز الإنسان على مواجهة التحديات ويزيد يقظته ويرفع كفاءة أدائه. وتبين الدراسات أن القلق يرتبط بتنشيط مراكز عصبية محددة في الدماغ، من بينها القشرة الجزيرية الأمامية، التي تسهم في توقع الأذى المحتمل وتعلّم السبل الكفيلة بتجنبه.
ويختلف الناس بطبيعتهم في عتبة تنشيط البنى والشبكات الدماغية المرتبطة بالقلق، كما يختلفون في شدة استجابتها. ويمكن للتجارب الحياتية أن تعيد ضبط هذه المنظومة، إذ قد يؤدي التعرض للأذى أو الصدمات في مراحل مبكرة من العمر إلى إحداث تغيرات طويلة الأمد في عتبة استجابة مراكز الإنذار الدماغية، مما يجعل بعض الأشخاص أكثر قابلية للقلق أو أسرع استغراقاً في المخاوف.

متى يتحول القلق إلى اضطراب؟

يتحول القلق إلى اضطراب عندما ينشأ التوجس من أخطار محتملة أو نتائج سلبية من دون سبب واقعي واضح، أو عندما تكون شدة الخوف غير متناسبة مع حقيقة الموقف. ومن أمثلة ذلك أن ينشغل الإنسان انشغالاً مفرطاً باحتمال إصابته بمرض بسبب لمس مقبض باب، أو أن يتصور أن تغيراً في مظهره سيؤدي حتمًا إلى فقدان شريكه انجذابه إليه.
وقد يصبح القلق مرضياً أيضاً عندما يستمر حتى بعد اتخاذ خطوات فعلية ومعقولة لمعالجة المشكلة المحتملة، أو عندما تدفع الأفكار القلقة والأعراض الجسدية المصاحبة لها الشخص إلى تجنب المواقف والأماكن والأنشطة التي قد تثير تلك الأعراض.
وفي حين قد يسهم قدر قليل من القلق في تعزيز الدافعية وتحسين الأداء، فإن القلق المفرط يعوق الأنشطة اليومية ويضعف الكفاءة، وقد يبلغ في بعض الحالات حد العجز عن الدراسة أو العمل أو ممارسة الحياة الاجتماعية على نحو طبيعي.
ويتجلى القلق في علامات جسدية، مثل تسارع ضربات القلب، وسرعة التنفس، والتوتر العضلي، واضطراب النوم، وصعوبة التركيز. كما يظهر في أعراض عقلية، منها الإفراط في توقع النتائج السلبية، وتخيل السيناريوهات الكارثية، والاجترار المتواصل للأفكار المخيفة.
وغالباً ما تتغذى الأعراض الجسدية والأفكار القلقة بعضها من بعض، فالإحساس بخفقان القلب، مثلًا، قد يُفسَّر بوصفه دليلاً على وجود خطر، مما يزيد الخوف ويؤدي بدوره إلى اشتداد الخفقان. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة يصعب معها التحكم في مسار التفكير والانفعال.
ومن المفارقات المؤلمة في اضطرابات القلق أنه، على الرغم من توافر علاجات فعالة، يتردد كثير من المصابين في طلب المساعدة بسبب شعورهم بالخجل أو الحرج من طبيعة الأمور التي تثير مخاوفهم.

ما منظومة رصد المخاطر؟

تمثل منظومة رصد المخاطر جزءاً أساسياً من البنى الدماغية القديمة التي أسهمت في بقاء الكائنات الحية. فلكي ينجو أي حيوان، لا بد أن يمتلك القدرة على اكتشاف التهديدات الناشئة من البيئة الخارجية، فضلاً عن التغيرات الخطرة التي قد تحدث داخل جسده.
وتتألف هذه المنظومة، التي تؤدي اللوزة الدماغية دوراً محورياً فيها، من أجزاء وشبكات متعددة تمكن الإنسان من إدراك علامات الخطر الراهن أو المحتمل، وتوجيه الانتباه إليها، والاستجابة لها انفعالياً، وتفسيرها، ثم اتخاذ السلوك المناسب إزاءها.
ويمثل الخوف استجابةً لتهديد واضح ومباشر، في حين أن القلق استجابة طبيعية لتهديد محتمل لم يقع بعد. وفي حالة القلق، تتاح للعقل المفكر، ولا سيما القشرة الجبهية الأمامية، فرصة فحص الاحتمالات، وتقدير حجم الخطر، واستبعاد المخاوف غير الواقعية أو اتخاذ التدابير اللازمة للحد منها.
ويتحول القلق إلى حالة سريرية عندما يحدث خلل في أحد مكونات هذه المنظومة، أو في الشبكة العصبية المعقدة التي تربط بين أجزائها، أو عندما تفشل الإجراءات المتخذة لمواجهة الخطر المحتمل في تعطيل نظام الإنذار وإعادته إلى حالة الهدوء.
ويلاحظ الباحثون أن المصابين باضطرابات القلق يميلون إلى التركيز المفرط على الاحتمالات السلبية، فقد تتحول الظلال في إدراكهم إلى وحوش مؤكدة، ويُفسر العبوس العابر على وجه المدير بوصفه دليلاً قاطعاً على قرب فقدان الوظيفة. كما يواجه هؤلاء الأشخاص، في كثير من الأحيان صعوبة في صرف انتباههم عن المؤشرات التي يرون فيها تهديداً، حتى عندما تكون الأدلة الواقعية مطمئنة.

هل القلق هو نفسه العُصاب؟

صيغ مصطلح العُصاب في أواخر القرن الثامن عشر للإشارة إلى أمراض واضطرابات لم يكن بالإمكان العثور على سبب جسدي واضح لها.
وبعد أكثر من قرن، أسهم كل من سيغموند فرويد وكارل غوستاف يونغ في شيوع المصطلح، واستُخدم للدلالة على طيف واسع من الاضطرابات والصراعات النفسية التي يظل فيها الإنسان محتفظاً بصلته بالواقع، لكنه يعاني في الوقت نفسه صراعاً داخلياً أو ضيقاً نفسياً شديداً.
وفي النظرية الفرويدية، يُعد العُصاب تعبيراً ظاهرياً عن رغبات أو نزعات لاشعورية مكبوتة، غالباً ما تُرفض لأنها تتعارض مع المعايير الاجتماعية أو الأخلاقية التي يتبناها الفرد. ومن ثم، كان التحليل النفسي يهدف إلى الكشف عن الصراع الخفي الذي يُفترض أنه يقف وراء الأعراض العُصابية.
أما في الممارسة النفسية المعاصرة، فلم يعد مصطلح العُصاب يتمتع بمعنى تشخيصي متفق عليه، وقد أُلغي رسمياً من التصنيفات التشخيصية الحديثة في تسعينيات القرن العشرين. ومع ذلك، لا يزال يُستعمل أحياناً، استعمالاً وصفياً لا تشخيصياً، للدلالة على بعض أنماط السلوك غير المنتجة التي يمارسها الإنسان استجابةً لأفكار أو مشاعر مزعجة، سواء أكان واعياً بمصدرها أم غير واعٍ به.
ومن أمثلة ذلك قضم الأظافر أو تكرار بعض السلوكيات القهرية البسيطة بوصفها وسائل لتخفيف التوتر. ويوصف السلوك، في مثل هذه الحالات، بأنه سلوك عُصابي. ولهذا المفهوم صلة وثيقة بالميل إلى القلق، ولا سيما حين لا يكون الشخص واعيًا تمامًا بمصدر مخاوفه أو دوافعها.
ومع ذلك، لا يصح اعتبار القلق والعُصاب مفهومين مترادفين، فالقلق ظاهرة نفسية وانفعالية محددة، قد تكون طبيعية أو مرضية، في حين أن العُصاب مصطلح تاريخي واسع كان يشمل أشكالاً متعددة من الصراع والأعراض النفسية.

هل تصاب الحيوانات بالقلق؟

لا يُظهر أي حيوان، فيما نعرف، جميع السمات المعقدة للمشكلات النفسية التي يعانيها الإنسان. ومع ذلك، تظهر لدى بعض الحيوانات سلوكيات تشبه جوانب معينة من هذه الاضطرابات، مثل فرط اليقظة والتجنب والاستثارة المستمرة، كما تشترك بعض الأنواع مع الإنسان في عدد من الآليات العصبية والفسيولوجية المرتبطة بالخوف والقلق.
والخوف انفعال وثيق الصلة بالقلق. ويمكن ملاحظة استجابات واضحة للخوف لدى الحيوانات، فأصحاب الكلاب، مثلاً، يعرفون ما قد تبديه حيواناتهم من ارتجاف أو اختباء أو اضطراب أثناء العواصف الرعدية أو عروض الألعاب النارية.
غير أن القلق البشري لا يقتصر على الأعراض الجسدية، مثل التوتر واضطراب النوم، بل يشمل أيضاً مكونات معرفية معقدة كتخيل الفشل في امتحان لم يقع بعد، أو توقع نتائج بعيدة أو الانشغال بما قد يفكر فيه الآخرون.
وعلى الرغم من أن الرئيسيات غير البشرية تشترك مع الإنسان في جزء كبير من البنية العصبية المرتبطة بالخوف والقلق فإن معرفتنا بالحياة الانفعالية للحيوانات تظل محدودة، إذ يُستدل على كثير منها من خلال السلوك الظاهر والتغيرات الجسدية، من دون أن يكون في وسعنا التأكد من طبيعة الخبرة الداخلية التي تعيشها أو من الكيفية التي تدرك بها مخاوفها.
وهكذا، يمكن القول إن الحيوانات تختبر حالات تشبه القلق من الناحيتين السلوكية والفسيولوجية، إلا أن السؤال المتعلق بامتلاكها قلقاً معرفياً واعياً، مماثلاً لما يعيشه الإنسان، يظل أكثر تعقيداً وأصعب حسماً.