كيف عملت حركة الحقوق المدنية؟

 

عندما أصبح باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة في سنة 2008، اعتبر الكثيرون هذه الخطوة بأنها ذروة حركة الحقوق المدنية. في أواخر الستينيات من القرن الماضي، لم يتمكن الأمريكيين من أصل أفريقي من التصويت في الإنتخابات في كثير من أجزاء الولايات المتحدة. ولكن الأن، وبعد مرور أكثر من 50 سنة، إنتخب الأمريكييون أول رجل أسود رئيساً لبلدهم.
ان أنتخاب أوباما لا يمكن إعتباره علامة فارقة في تحقيق المساواة بين جميع الأعراق. ولكن و بالتأكيد فأن إنتخابه لم يكن ليحصل لولا التقدم الذي حققته حركة الحقوق المدنية.

يطلق مصطلح حركة الحقوق المدنية على السياسات والنشاطات التي حصلت في الولايات المتحدة لأنهاء الفصل العنصري والتمييز ضد أصحاب البشرة السوداء في أمريكا. إضافة لذلك، فإن حركة الحقوق المدنية كانت تهدف للحصول على الإعتراف القانوني بالحقوق التي كفلها الدستور الامريكي للسود. معظم هذه الفعاليات حصلت في السنوات مابين 1954 و 1968 وشارك فيها أشخاص من كل أعراق المجتمع الأمريكي.

على الرغم من مئات السنوات من القوانين الظالمة والعنف تجاه السود، إستطاع جيل واحد التأثير على تشريع قوانين مهمة وتغيير الرأي العام لثقافة متعصبة، وهذا الجيل لم يكن يمتلك إنترنت أو وسائل تواصل إجتماعي أو أي من أدوات التواصل الحديثة.

ولكن كيف قاموا بذلك؟ ومن هي الشخصيات المشاركة؟ أستمر بالقراءة لمعرفة المزيد عن حركة الحقوق المدنية،وهي الفترة التي غيرت التأريخ الأمريكي.

– قوانين جيم كرو

تم أعتماد التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي في 9 يوليو / تموز سنة 1868، بعد أكثر من سنتين بقليل من إستسلام جيش الكونفدراليين بقيادة الجنرال روبرت لي (Robert E. Lee) في مدينة أبوماتوكس فرجينيا. ينص جزء من هذا التعديل على الأتي: “لا يجوز لأي ولاية تشريع أو فرض أي قوانين تمنع الأمتيازات أو الحصانات التي يمتلكها مواطنوها الولايات المتحدة، ولا يجوز لأي ولاية حرمان الأشخاص من حق الحياة والحرية وحق التملك، دون إتباع الإجراءات القانونية، ولا يحق لأي ولاية حرمان أي شخص ضمن سلطاتها من المساواة في حمايته ضمن القانون.” بعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، أُتخذ إجراء التعديل هذا لإعطاء العبيد المحررين حديثاً من الجنوب الجنسية الأمريكية وحماية حرياتهم المدنية.

رفضت أغلب الولايات الجنوبية المصادقة على التعديل، والذي تبعها سلسلة من قوانين إعادة الإعمار التي وضعت الولايات الجنوبية تحت الحكم العسكري لمدة قصيرة. قسمت هذه القوانين الولايات الجنوبية إلى خمس أجزاء، وأمرت الجيش بمراقبة الإنتخابات والتأكد من أن الولايات تطبق حق الإقتراع العام للذكور. وبعد مدة قصير، عاد الجنوب للإتحاد في سنة 1870 ولكن أُهمل التعريف العام للمواطنة الذي ذُكر في التعديل الرابع عشر بشكل كبير.

فرضت الولايات الجنوبية منذ سبعينات القرن التاسع عشر حتى نهايته نظام تفوق البيض وذلك من خلال الفصل القانوني بين البيض والسود بإستخدام عدة تشريعات. عرفت هذه القوانين في ما بعد بقوانين جيم كرو والتي فرضت ثلاثة أشياء رئيسية هي:

* الفصل العنصري بين الأعراق في الأماكن العامة بضمنها المدارس الحكومية، والمتنزهات، وأماكن المبيت، ووسائل النقل.
* حرمان الذكور من السود حق الإنتخاب عن طريق فرض ضرائب الإنتخاب وأختبارات القراءة وخدع أخرى.
* منع الزواج المختلط بين الأعراق.

إضافة لذلك، فإن ثقافة العنف والإرهاب ساهمت بعزل السود والبيض. وأنتشرت حملة وحشية وهي الإعدام خارج نطاق القانون والتي كان يتم تنفيذها ضد السود حتى منتصف القرن العشرين، وهذه الإعدامات كانت تنفذها حركات تفوق البيض مثل (كو كلوكس كلان). المتهمون بهكذا الجرائم عادة ما كانت تبرئهم هيئات المحلفين التي تتكون من البيض فقط.

العديد من القرارات القضائية ضمنت بقاء هذه القوانين العنصرية أو إعطاء الولايات الفرصة لفرض قوانين جديدة. فعلى سبيل المثال، حكمت المحكمة العليا سنة 1883 بأن قانون الحقوق المدنية لسنة 1875 غير قانوني وقالت بأن التعديل الرابع عشر لا يحمي السود من التمييز من قبل المشاريع التجارية او الأشخاص. واحدة من أشهر القضايا التي ساهمت بتثبيت هذه العقلية هي قضية بلسي ضد فيرغسون (Plessy vs. Ferguson) سنة 1896. ففي سنة 1890، سن قانون في ولاية لويزيانا أجبر السود رسمياً على الركوب في عربات القطار المنفصلة. ولأختبار فيما اذا ستدافع الحكومه عن السود أم لا تحت التعديل الرابع عشر، صعد شخص أسود ولكن ذو بشره فاتحة يدعى هومر بلسي (Homer Plessy) عربة مخصصة لذوي البشرة البيضاء في شبكة قطارات شرق لويزيانا. بلسي، الذي كان ربع أصله أسود، أُعتقل مباشرةً. بعد أن حكم قاضي محلي بأن بلسي كان مذنب أيدت المحكمة العليا هذا القرار معلنةً بأن وسائل النقل “منفصلة ولكن متساوية” لا تنتهك حقوق الشخص وفقاً للتعديل الرابع عشر.

هذا القرار أعطى الولايات الحق بفرض قوانين جيم كرو القاسية. وبحلول القرن العشرين، فأن فكرة السود “منفصلين ولكن متساوين” أصبحت متأصلة في الثقافة الأمريكية الجنوبية والشمالية وأن المعاملة غير المتساوية والتي تعرض لها السود أطلقت العنان لحركة الحقوق المدنية.

– قضية براون ضد مجلس التعليم

في كل يوم من سنة 1951، كانت فتاة بعمر الثماني سنوات تدعى لندا براون (Linda Brown) من مدينة توبكا في ولاية كنساس، تستقل الحافلة لمسافة خمسة أميال (ثمانية كيلومترات) للوصول إلى مدرسة مونرو الإبتدائية وهي مدرسة حكومية منفصلة عرقياً مخصصة للأمريكيين السود. على بعد أمتار قليلة توجد مدرسة سومنر الأبتدائية وهي مدرسة حكومية مخصصة للبيض فقط. منطقياً كان على لندا الذهاب لمدرسة سومنر الابتدائية فهذه المدرسة لم تكن أقرب فحسب وأنما أحدث، وأنظف، ومجهزة بكادر أفضل. وعلى العموم هذه المدرسه كانت ستوفر لها تعليم وخبرة أفضل. ولكن عندما حاول والدها، القس أوليڤر براون (Oliver Brown) تسجيل إبنته في مدرسة سومنر رفض مدير المدرسة ذلك بسبب لون بشرة لندا.

بدلاً من قبول الرفض، لجأ السيد براون إلى رئيس فرع الهيئة الوطنية لتطوير الملونين في توبكا، ماكينلي برنيت (McKinley Burnett)، وبالتعاون مع عدة عوائل من ذوات البشرة السوداء استدعوا كادر المدرسة إلى المحكمة وقاضوا مجلس التعليم في القضية المشهورة براون ضد مجلس توبكا للتعليم.

أشتكت الهيئة الوطنية لتطوير الملونين إلى محكمة مقاطعة كنساس بأن المدارس المنفصلة غير متساوية لأنها حرمت الأطفال السود من الكثير من الفرص. على الجانب الأخر، دافع مجلس التعليم عن قراره بالقول أن المدارس المنفصلة ببساطة تهيئ الأطفال لمرحلة البلوغ في مجتمع يعتبر السود منفصلين ولكن متساوين.

بالرغم من أن القضاة إتفقوا مع “التأثير الضار” الذي يخلفه الفصل العنصري للأطفال في المدارس ولكنهم فشلوا في تخطي قضية بلسي ضد فيرغسون وحكموا لصالح مجلس التعليم. ولكن براون والهيئة الوطنية لتطوير الملونين أستأنفوا الحكم مباشرةً. ففي أيار من سنة 1954، حكمت المحكمة العليا برئاسة أيرل وارن (Earl Warren) بأن مصطلح “منفصل ولكن متساوي” غير دستوري وألزمت بضرورة ألغاء التمييز العنصري في المدارس في جميع أنحاء أمريكا.

إن قضية براون ضد مجلس التعليم لم تكن القضية الاولى التي تتحدى قوانين جيم كرو ومبدأ “منفصل ولكن متساوي”. فما بين سنة 1881 وسنة 1949 كانت هناك إحدى عشر قضية دمج المدارس في كنساس وحدها. ثلاث قرارات جديدة في سنه 1950 أثبتت بأن عقلية بلسي ضد فيرغسون قد عفا عنها الزمن. أما قضية سويت ضد بينتر (Sweatt vs. Painter) سمحت لهيرمان سويت بالدراسة في كلية القانون في جامعة تكساس والتي كانت للبيض فقط. أما قضية مكلورين ضد أعضاء مجلس ولاية أوكلاهوما للتعليم العالي حكمت بأن الفصل بعد التسجيل غير دستوري. وقضية هندرسون ضد الولايات المتحدة جعلت عربات الطعام المنفصلة في القطارات غير قانونية. ولكن قضية براون والتي قادها مدعي ديترويت ورئيس الدفاع في الهيئة الوطنية لتطوير الملونين ورئيس صندوق التعليم ثورغود مارشال كانت أول قضية تقود لتغييرات جذرية.

أن إلغاء التمييز العنصري لم يحدث مباشرةً. وأن فكرة إلغاء التمييز العنصري جزئياً كانت لاتزال فكرة غير مرغوبة من قبل الجنوبيين البيض وأن إمكانية إستخدام العنف قاد إلى تقدم بطيء. فأول محاولة كبيرة لأستخدام العنف كانت في سنة 1957 في إعدادية لتل روك في ولاية أركنساس، عندما تظاهر أهالي البلدة مما أضطر الرئيس أيزنهاور لأرسال 1000 جندي مظلي لمساعدة تسعة طلاب سود للدخول إلى المدرسة.

بالرغم من عدم تعرض أي شخص للأذى، فأن التوتر كان سيد الموقف وأن العنف كان لايزال المشكلة الأكبر في الجنوب في تلك الفترة. إحدى محاكمات القتل جذبت أنتباه الجميع وصدمت البيض والسود في كل مكان.

 

– قضية إيميت تيل

في حزيران سنة 1955، كان إيميت تيل (Emmett Till) ذو الأربعة عشر ربيعاً من مدينة شيكاغو في زيارة أقاربه في مدينة موني في ولاية ميسيسيبي. بالرغم من تجربته للعنصرية في الشمال لكنه لم يكن جاهزاً للعيش في المسيسبي لانها كانت تعتبر واحدة من أكثر الولايات المطبقة للفصل العنصري في البلاد. دخل إيميت في تحدي مع أبن عمه لمغازلة إمرأة بيضاء في محل الحلويات. تم إتهامه بأنه بينما كان مغادراً المحل استدار وقال للمرأة “وداعاً حبيبتي” (بعض التقارير ادعت بأنه قام بالصفير لها، وتقارير أخرى تقول بأنه لم يقل لها أي شيئ.)

بعد مضي عدة ليالي خُطف الشاب من منزل أقاربه وكان الخاطفين هما روي براينت (Roy Bryant) زوج المرأة وهو نفسه صاحب المحل وجي أم ميلام (J. M. Milam) بعد أختطافه بثلاثة أيام وجدت جثة إيميت ملقية في نهر تالاهاتشي وكانت الجثة غير واضحة المعالم مع إطلاقة نارية في الرأس وسلك شائك حول العنق.

اعتقلت الشرطة براينت وميلام بسرعة بتهمة الخطف وهو ما فاجئ الكثيرين. هذه الجريمة صدمت جميع السكان المحليين بما فيهم البيض. عّم إيميت موزس رايت (Moses Wright) لم يستطع التعرف على جثة أبن أخيه إلا عن طريق خاتم كان يلبسه في أصبعه منقوش عليه حروف أسمه الأولى. هذه القضية دفعت الجرائد والمسؤولين بطلب العدالة بعدما شهد رايت ضد ميلام وبراينت مشيراً عليهم بأنهم الخاطفون. الكثير من المواطنين السود تقدموا لأدلاء شهاداتهم.

بالرغم من تبرئة المتهمين من قبل هيئة المحلفين من البيض، إلا قضية إيميت تل كان لها وقع كبير على الأمة. والدة إيميت، ميمي (Mamie) تأثرت كثيراً بالواقعة وقررت نشر التوعية على قساوة العنصرية. وعندما نقل جثمان ولدها لمدينة شيكاغو، أصرت على أن يكون تابوت جنازته مفتوح لكي يرى الناس ماذا حدث لإيميت.

تلقت قضية إيميت تل إهتماماً وطنياً كبيراً، فالكثير ممن سمعوا قصة إيميت على الراديو أو شاهدوا صور جثته كانوا شباباً وهو الجيل نفسه الذي كان سيكبر قريباً ليطلب تغيير جذرياً في كل أرجاء أمريكا.

 

– مقاطعة الحافلات في مونتغومري وإلغاء الفصل العنصري

أبطلت المحكمة العليا القرار السابق الخاص بقضية بلسي ضد فيرغسون “منفصل ولكن متساوي” عند البت في قضية براون ضد مجلس التعليم والذي جعل الفصل العنصري غير قانوني ولكن هل قامت الولايات بتنفيذ القرار؟

يعرف الكثيرين قصة روزا بارك (Rosa Parks). ففي يوم الخميس الأول من كانون الأول سنة 1955 وبعد يوم طويل من العمل في الخياطة، ركبت السيدة بارك الباص في مدينة مونتغومري للعودة إلى المنزل. جلست السيدة بارك في الصف الخامس مع ثلاث أشخاص من السود وهذا الصف هو أبعد صف الذي يستطيع السود الجلوس فيه قانونياً. وبينما أمتلأت الحافلة بالركاب على طول الطريق دخل الكثير من البيض إلى الحافلة. في النهاية بقي شخص أبيض واقفاً. ووفقاً لقانون ولاية ألاباما في الخمسينات، فأن البيض والسود لا يمكنهم الجلوس في نفس الصف. عندما أخبرهم سائق الحافلة بترك الصف للرجل الأبيض أمتثل للأمر ثلاثة من السود وأنتقلوا للخلف ولكن السيدة بارك رفضت الأمر ببساطة.، فأُعتقلت على الفور وأرسلت إلى السجن.

لاتزال روزا بارك واحدة من أهم شخصيات حركة الحقوق المدنية التي غيرت الحياة الأمريكية. ولكن قصة السيدة بارك ليست عفوية كما تبدو. بالحقيقة فإن إعتقال روزا بارك والذي قاد لحملة مقاطعة حافلات مونتغومري كان مخطط لها من البداية. السيدة بارك كانت عضوة في الهيئة الوطنية لتطوير الملونين وكانت مهتمه بقضية التمييز العنصري. قبل أن يتم إعتقالها كانت روزا بارك قد حضرت ورشة عن العصيان المدني. بعد سماع قرار المحكمة العليا في قضية براون ضد مجلس التعليم قررت السيدة جو أن روبنسون (Jo Ann Robinson) وهي إمرأة سوداء وبروفيسور في كلية ألاباما الوطنية للسود أن تختبر القانون.

بعد إعتقال روزا بارك أجتمعت السيدة روبنسون مع مجموعة من القساوسة المعروفين ونشطاء حركة الحقوق المدنية بضمنهم نكسون (E. D. Nixon)، ومارتن لوثر كنغ جونيور (Martin Luther King Jr.) لمناقشة المقاطعة. وصنعوا منشورات تدعو السود لمقاطعة الحافلات في يوم الإثنين التالي.

حقق اليوم الاول من المقاطعة نجاح كبير، حيث كانت الحافلات تجوب شوارع مونتغومري وهي فارغة. وفي نفس اليوم عقدت المجموعة نفسها إجتماع نتج عنه تشكيل منظمه أسموها “جمعية تطوير مونتغمري” وأنتخبوا مارتن لوثر رئيساً لها. بعد مناقشات عديدة، قررت المنظمة الاستمرار بالمقاطعة والتي دامت لأكثر من سنة بقليل.

حاول البيض كسر المقاطعة بكل الطرق السلمية في البداية. عندما قام سواق سيارات الأجرة من السود بتقليل أجرة الركاب السود لعشرة سنتات فقط، أعلنت المدينة بأنها ستوقف أي سيارة أجرة تطلب أجرة أقل من ٤٥ سنتاً. أما شركات التأمين فأنها بدأت بألغاء التأمين للسيارات التي تستخدم تشاركياً. أما السيدة بارك فتم أعتقالها لعدم دفع الغرامة التي فرضت عليها وأعتقل مارتن لوثر كنغ لعدة عدة مرات لأسباب بسيطة كالمخالفات المرورية. عندما فشلت هذه الإجراءات، لجأ البيض إلى العنف، فتم تفجير القنابل في منازل السود أما منزل مارتن لوثر كنغ فتم أطلاق النار عليه وقامت منظمة كو كلوكس كلان بعمل المسيرات إعتراضاً على المقاطعة.

بدأت المدينة بالتأثر إقتصادياً، وأخبار هذه القضية وصلت للمحكمة العليا والتي أعلنت قبل فترة قصيرة بأن الفصل العنصري غير قانوني في قضية براون ضد مجلس التعليم. وفي تشرين الثاني 1956، أقرت المحكمة بتنفيذ الدمج الكامل، وفي الواحد والعشرون من كانون الأول من نفس السنة أنهى السود المقاطعة وبدأوا بركوب الحافلات مجدداً.

سجلت المقاطعة أول مشاركة مهمة للجماهير في حركة الحقوق المدنية الأمريكية، وساهمت ببروز النجم مارتن لوثر كنغ. وبعد النجاح الذي حققه في مونتغومري، وجذب الرأي العام، أصبح كنغ القائد الرئيسي للحركة وبعدها أنتقل لمدينة أطلنطا ليؤسس بعدها مؤتمر القيادة المسيحي الجنوبي (SCLC).

 

– الأعتصام لحين الحصول على الخدمة وفرسان الحرية

في بداية الستينيات أصبحت أغلب المدارس والجامعات مختلطة والنجاح الذي تحقق في مونتغومري ساهم بتشكيل منظمات الحقوق المدنية في الكثير من المدن. ولكن لم تلتزم جميع الشركات والمدارس بهذه التغيرات وبدأ الطلبة السود بالإحتجاج ضد عدم المساواة الذي لايزال قائم، وبدأوا ما يسمى بالإعتصام لحين الحصول على الخدمة.

ففي الأول من شباط سنة 1960، جلس أربع طلاب من كلية كارولينا الشمالية الزراعية والتقنية وهم جوزيف مكنيل (Joseph McNeil)، وفرانكلين مكين (Franklin McCain)، وديفيد رتشموند (David Richmond)، وأزيل بلير جونيور (Ezell Blair Jr.) في مطعم وولورث وطلبوا أن تتم خدمتهم. لكنهم كانوا يعرفون مسبقاً أنهم لن تتم خدمتهم لأن طاولة الطعام التي جلسوا عليها كانت مخصصة للبيض فقط. بالرغم من ذلك فأنهم أستمروا بالجلوس ورفضوا ترك المكان حتى تم إجبارهم على ذلك عندما أغلق المحل في تلك الليلة. في اليوم التالي جاءت مجموعة كبيرة إلى المكان، قسم منهم جاء للمشاركة، وقسم آخر جاء لمشاهده الاعتصام لحين الحصول على الخدمة. بعد أن علمت الجرائد ومجاميع حركة الحقوق المدنية بالأمر تم تنضيم الأعتصامات لحين الحصول على الخدمه في عدة مدن من البلاد.

الإعتصامات هذه كانت بطبيعتها بسيطة جداً حيث تقوم مجموعة من الطلبة بالجلوس في أماكن تقديم الطعام وطلب ان تتم خدمتهم. عندما يتم تقديم الطعام او القهوة لهم ينتقلون الى مكان أخر. أما أذا تم رفض خدمتهم فيبقون جالسين الى أن تتم خدمتهم. والعنصر المهم في هذه الاعتصامات هو عدم إستخدام العنف، ففي حالة تعرض المشاركين في الإعتصام للعنف لا يقوموا بالرد على الضرب. أما إذا تم الإستهزاء بهم فيجب أن يبقوا صامتين. إضافة إلى ذلك، فالمشاركون يجب أن يلبسوا أفضل الملابس يوم الأحد لكي يتميزوا عن الطلبه البيض المعترضين. جوبهت هذه الحملة كالمعتاد بالضرب والسجن، فعند حلول أب سنة 1961، أعتقل أكثر من 3000 طالب في كل أرجاء البلاد.

أنطلقت مجموعة أخرى كانت تسمى فرسان الحرية لأختبار رأي المحكمة العليا. ففي الرابع من أيار من سنة 1961، غادرت مجموعة من عدة أعراق من واشنطن إلى نيو أورلينز. في الطريق قام أعضاء المجموعة بتبادل مقاعدهم فجلس البيض على المقاعد المخصصة للملونين وقام السود بالإنتقال إلى مقاعد البيض. كان المشاركون على معرفة تامة بأن ما كانو يقومون به قانونياً وفقاً لقرارات المحكمة العليا الأخيرة، ولكنهم كانوا على معرفة مسبقة بأن ما كانو يفعلونه سيواجه بمعارضة عارمة. وكان هدفهم التأكد من أن الحكومة ستتدخل في وقت الأزمة. ولكن مع أزدياد التوتر وأحتمالية إستخدام العنف، أستعد فرسان الحرية للموت.

غالباً ما كان يتعرض فرسان الحرية للعنف من المحتجين في كل مكان توقفوا فيه، وتعرض فرسان الحرية من السود والبيض للضرب، وهوجمت حافلاتهم بالحجارة وحتى الإطارات أتلفت بالسكاكين. وأعتقل أكثر من 300 شخص من فرسان الحرية خلال الرحلة والتي لم تكمل طريقها إلى نيو أورلينز. وقد قام فرسان الحرية بجذب الإنتباه لحركة الحقوق المدنية وخاصةً جذب إنتباه إدارة الرئيس الشاب كندي (Kennedy).

– برمنغهام ومارتن لوثر كنغ جونيور

في سنة 1963، أنتقل مارتن لوثر كنغ جونيور إلى مدينة برمنغهام في ولاية آلاباما، وأتخذها مقر جديد لتركيز حملته. كانت هذه المدينة مشهورة بالعنف ضد السود. ففي 6 سنوات فقط حدث 18 تفجير وجرح العديد من فرسان الحرية بسبب فشل حاكم الولاية آنذاك بول كونور (Bull Conner) لعدم وضع حراس في محطات الحافلات. هذه الأسباب دفعت كنغ للتفكير بأن الوقت قد حان للقيام بتغير في برمنغهام.

بعد سلسلة من الأعتصامات والاعتقالات، لم يعلم كنغ مالذي يتوجب عليه فعله لأن الاعتقالات لم تحقق أي إنجاز سوى ملئ السجون المكتظة بالفعل بمزيد من السجناء. لذلك قرر أن يتم إعتقاله في الجمعة العظيمة والتي صادفت 12 من نيسان. عندما وضع في الحبس الإنفرادي، قام بقراءة كتيبات أنتجها رجال دين بيض تسخر من جهوده في برمنغهام وهذه الكتيبات تتهم جهود كنغ بأنها غير حكيمة وفي التوقيت الخطأ. قام كنغ بكتابة “رسائل من سجن برمنغهام” والتي تعتبر واحدة من أهم الوثائق التي كُتبت في فترة الحقوق المدنية وكتبها بإستخدام أطراف الجرائد وورق الحمام وقلم رصاص.

بعد أن قام المسؤولون بإطلاق سراحه في العشرين من نيسان، قرر كنغ ومؤتمر القيادة المسيحي الجنوبي إتخاذ تدابير جديدة، وهي إستخدام الأطفال في المظاهرات. فوفقاً لرئيس مؤتمر القيادة المسيحي الجنوبي جيمس بيفل (James Bevel)، فإن “أغلب البالغين يتوجب عليهم دفع فواتير مثل فواتير البيوت، والإيجار، وفواتير السيارات، وفواتير الخدمات — لكن الأطفال ليس لديهم أي من هذه المسؤوليات.” وفي الثاني من أيار أنطلق الأطفال السود من عمر 6 سنوات الى 18 سنة من كلي أنغرام بارك متوجهين نحو مركز المدينة منشدين “يجب أن ننتصر”. تعرض الأطفال للأعتقال ونقلوا إلى السجون في الحافلات. وفي غضون ثلاث ساعات أمتلئت السجون بـ 959 طفل أسود. في اليوم التالي، إزداد عدد الأطفال المشاركين في المسيرة نحو مركز المدينة ورداً على ذلك أمر بول كونور رجال الأطفاء بتوجيه أنابيب المياه عالية الضغط نحو المتظاهرين الأطفال السلميين. كان العصف من أنابيب المياه قوي جداً لدرجة أنه جعل الأطفال يتدحرجون على الشارع. كل هذه الأحداث تم تصويرها وعرضها على التلفاز وصدمت هذه المشاهد الأمة بأكملها.

قاد الإهتمام بهذه القضية الرئيس كندي لإقتراح مشروع قانون الحقوق المدنية، وحشدت التظاهرات لدعم مشروع القانون بتنظيم المسيرة نحو واشنطن. تجمع قرابة 250,000 شخص من كل الأعراق في واشنطن وفي نفس المكان الذي ألقى فيه مارتن لوثر كنغ جونيور خطابه الشهير “عندي حلم”. بالرغم أن الرئيس كندي أغتيل في كانو الثاني سنة 1963، إلا أن قانون الحقوق المدنية الأمريكية وقع في الثاني من تموز سنة 1964 من قبل الرئيس ليندن جونسون (Lyndon Johnson) وهذا القانون أكد على أن يتم قبول السود في كل المرافق العامة. وبعد سنة واحدة، وقع الرئيس جونسون قانون حقوق التصويت لسنة 1965، والذي منع التشريعات غير القانونية مثل إختبارات القراءة أو ضرائب الإقتراع التي تعرقل مشاركة السود في التصويت.

بالرغم من الأنجازات التي حققها التشريع الجديد إلا أن العنف والأحباط دائماً ما كانا موجودين.

 

– أعمال شغب واتس والقوة السوداء وإرث مارتن لوثر كنغ جونيور

واحدة من الإستراتيجيات الرئيسة التي أتبعها مارتن لوثر كنغ جونيور خلال حملة الحقوق المدنية هي العصيان المدني والمظاهرات السلمية والتي نجحت خلال الحملة. طوال فترة الخمسينات والستينيات قضى مارتن لوثر كنغ جل وقته بالترويج بنجاح للتغيير السلمي متأثراً بكتابات هنري ثوريو والطرق السلمية التي أتبعها المهاتما غاندي.

ولكن في سنة 1965، لم يعد الكثير من الناس يحتملون أكثر، خصوصاً عندما كانت أعمال قادة ومنظمي حركة الحقوق المدنية تجابه بالكثير من المظاهرات والضرب وأحياناً ماهو أسوأ من الضرب من قبل العنصرين. ففي شباط سنة 1965، أغتيل مالكوم أكس (Malcolm X)، قائد حركة القوة السوداء والتي خرجت من رحم حركة الحقوق المدنية الأمريكية وشجعت السود على أخذ حقوقهم بالقوة إذا تطلب الأمر، وأحياناً بإستخدام العنف. أول من أظهر هذا النوع من الإحباط للأمة كان ماركيت فري (Marquette Frye) وسكان حي واتس (Watts)، وهو حي مقسم عنصرياً يقع في ضواحي لوس أنجلس خلال أعمال الشغب الواسعة التي صدمت الأمة والتي باتت تعرف بأعمال الشغب في واتس.

في الحادي عشر من آب سنة 1965، وفي حوالي الساعة السابعه مساءاً، كان الشاب فري ذو الأحدى وعشرون سنة، وأخاه رونالد ذو الأثنان وعشرون سنة يقود سيارته بالقرب من واتس ذو الأغلبية السوداء عندما طلب منه شرطي مرور على الطريق السريع في ولاية كاليفورنيا لي مينيكوس (Lee W. Minikus) التوقف بعد أن أبلغه سائق دراجه أسود بأن فري كان يقود سيارته بتهور ولذلك قام الشرطي بمطاردة فري وأوقف السيارة وطبق عليه أختبار الكحول. فري فشل في الأختبار ووضع قيد الأعتقال بسبب القيادة تحت تأثير الكحول.

ولأنها كانت ليلة حارة خلال صيف حار بشكل غير عادي، كان الكثير من الناس يجلسون خارج منازلهم وشهدوا الحدث. أرتفع عدد الأشخاص من 30 إلى 250 شخصاً.
بالإضافة إلى ذلك، حضرت والدة فري، رينا برايس (Rena Price)، إلى الموقع لأخذ السيارة بعدما أعتقل فري. عندما بدأت السيدة فري بتوبيخ ولدها الذي كان مطيعاً في السابق أصبح، عدائي وتحرك نحو الحشد بينما كان يصيح على الشرطة. عندما طاردته الشرطة حاول فري الهرب. قامت الشرطة بمطاردته وأستطاعوا أعتقاله مرة أخرى، عندها أصبح الحشد أكثر عدائية.

أنتشرت أخبار عن وحشية رجال الشرطة في أرجاء المدينة، تزامناً مع طقس الصيف الحار، والظروف السيئة، وحالة الفقر القاسية، وأدى ذلك إلى إثارة العديد من حالات الشغب في الأحياء ولمدة خمسة أيام. لقي 34 شخصاً مصرعهم بينما أصيب 1032 شخصاً بجروح، ومن بين تلك الإصابات 118 منها كانت بسبب إطلاقات نارية. هذه الأحداث أدت الى خسائر تقدر بـ40 مليون دولار نتيجة لعمليات الحرق والنهب. خلال هذه الأيام الخمسة أعتقل 3438 شخصاً. أعمال الشغب هذه كانت تبث تلفزيونياً وهذه الأحداث صدمت الأمة بينما تحولت واتس إلى حطام.

غيرت هذه الأحداث مجرى الحركة. عندما زار مارتن لوثر كنغ المدينة، فبدلاً من الترحيب به قاطعه الناس ورفضوا رسالة اللاعنفية التي جاء بها. عندما قام جيمس أيرل ري بأغتيال مارتن لوثر كنغ في مدينة ممفيس في ولاية تنسي في الرابع من نيسان سنة 1968، أنتشرت أعمال العنف في عدة مدن.

موت كنغ وأغتيال روبرت أف كندي في الخامس من حزيران أعاد نشاط الحركة التي بدأت تتعثر. العديد من النشاطات التي خطط لها كنغ، كمسيرة الفقراء حدثت كما خطط لها. موت كنغ أغلق فصل من فصول حركة الحقوق المدنية الأمريكية ولكن النضال لتحقيق الحقوق المدنية لا يزال مستمراً. في العقود التي تلت موت كنغ، شهد الأمريكيين صراعات من أجل الحقوق المدنية للنساء والمعاقين ومجتمع المثليين. وكما يشير العديدين، فبالرغم من العديد من المكتسبات التي حققها الأمريكيون الأفارقة إلا أن لايزال هناك خطوات يتوجب القيام بها خصوصاً في ما يخص المساواة الأقتصادية والعلاقة مع الشرطة.

 

المصدر: هنا

 

ترجمة: ثناء سليمان.
تدقيق: ياسمين القزاز.
تصميم: فرات جمال.