ترجمة: رند سامي
إن الرغبة في أن تبدو أصغر من عمرك تُعد، في الواقع، مقياساً شخصياً للفخر، واعتقاداً بأنك نجحت في التغلب على حتمية أن يترك التقدم في السن آثاره على مظهرك.
وفي الحقيقة، وجدت الأبحاث أن 59٪ من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و80 عاماً يرون أنفسهم أصغر من أعمارهم (آلن وآخرون، 2024). وفي عملي في مجال العلاج النفسي، ومساعدة البالغين على التعامل مع القلق والتوتر، أجد أن أحد أكبر أسباب القلق المفرط لدى البالغين مع تقدمهم في السن، وبصورة أشد لدى النساء، هو إدراك تراجع المظهر الخارجي، والهلع من أنهم لم يعودوا يبدون بالشكل الذي كانوا عليه قبل عقود مضت.
ويبدو أن الأمر يرتبط بما يمكن تسميته «تنافر الصورة الذاتية المرتبط بالعمر»؛ إذ يعتقد هؤلاء أنهم يبدون أصغر سناً، غير أن ذلك وحده لا يكفيهم. وهكذا، فإن اعتقاد أكثر من نصف البالغين بأنهم يبدون أصغر من أعمارهم يترافق مع سعي استحواذي إلى البحث عن الإجراء التالي الذي يمكن اتخاذه للظهور بمظهر أصغر سناً.
إن الهاجس المحيط بالرغبة في الظهور بمظهر أصغر سناً، والحاجة المتأصلة إلى فعل المزيد والمزيد، هما ما يبدو أنه يذكي مشاعر التوتر والقلق والاكتئاب حين لا تتحقق تلك الغاية. ويبدو أن عدم ظهور علامات السن على المرء لا يكفي لتبديد القلق؛ بل لعلّه، على النقيض من ذلك، يغذي الحاجة إلى بذل المزيد والمزيد للحفاظ على هذا الوضع، والوصول إلى غاية سماع الإطراء: «تبدو أصغر من سنك». بل على العكس، يبدو أن ذلك يفاقم الحاجة الملحة إلى فعل شيء ما من شأنه تحسين المظهر.
كنت أشاهد فيلماً مؤخراً، وعند بلوغ منتصف الأحداث، وجدت نفسي أتساءل: ماذا حلّ بالشخصيتين الرئيستين؟ فقد بدا كلاهما مختلفاً تماماً عما كانا عليه قبل مشهدين فقط! وبدا واضحاً أن كليهما قد خضع لإجراء تجميلي غيّر ملامح وجهه، مع أنهما كانا يبدوان بحالة جيدة جداً في بداية الفيلم.
قد يكون هذا حكماً قِيَمياً شخصياً من جانبي، لكنني أتساءل عما إذا كانت تلك الإجراءات التجميلية ضرورية حقاً، إذ كان كلاهما جذاباً بالفعل، وبصورة موضوعية. إننا نرى هذا الأمر طوال الوقت: تلك التدخلات التي لا تنتهي، والتي يُفترض بها أن تعدّل مظاهر الشيخوخة وعلامات التقدم في السن، من جراحات تجميلية وحقن البوتوكس وإجراءات لا حصر لها. وكلها تأتي في سياق محاولات استباقية للظهور بمظهر أصغر سناً، يقوم بها أشخاص هم، في الأصل، جذابون ويتمتعون بملامح يافعة.
وللأسف، لا تزال هناك صورة ذاتية مجتمعية جماعية هشّة، تُعلي باستمرار من قيمة الشباب على حساب حتمية التغيرات التي تطرأ على المظهر مع تقدم السن. إن الاهتمام بالمظهر على حساب مستوى صحة المرء ونشاطه وتوقد ذهنه من شأنه أن يسبب ضيقاً وقلقاً لا داعي إليهما. كما أن إهمال المخاوف الصحية، وتقديم التدخلات التجميلية عليها، وتغليب هذه التدخلات على الاستعداد لإجراء التحسينات الضرورية في الصحة ونمط الحياة من أجل عافية عامة أفضل، يمكن أن يشكّل إشكالية كبيرة على المدى البعيد.
فالمظهر أمر متغير وغير ثابت؛ إذ يمكن أن يتأثر بما تناولته بالأمس، أو بالأدوية، أو باحتباس السوائل، أو حتى بالتمارين الرياضية، وهي عوامل شتى ومتنوعة، هذا فضلاً عن استحالة إيقاف مضيّ الزمن وتأثيراته. ولعل المفتاح هنا يكمن في التوازن، وربما في تخصيص بعض الوقت للتفكير ملياً في ما إذا كانت التدخلات الرامية إلى تحدي آثار التقدم في السن ضرورية حقاً. فشعورك بالرضا عن نفسك وعن مظهرك الشاب لا يرتكز حصراً على الهيئة الجسدية، بل يعتمد، بالدرجة الأولى، على التمتع بصحة نفسية جيدة.
وفي واقع الأمر، هناك بعض الأسئلة التي يجدر بكِ طرحها على نفسك قبل اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يجعلكِ «تبدين أصغر سناً».
هل أتقبل حقيقة أن التقدم في السن، بحد ذاته، يمكن أن يكون مصدراً للضيق والأسى؟ إن تقبّل حقيقة أن الشيخوخة قد تكون مصدراً للقلق يمكن أن يساعد المرء أكثر بكثير من محاولة فعل أي شيء لمقاومتها. فبقاء المرء غافلاً عن مصدر توتره قد يسبب له من القلق ما يفوق بكثير ما يسببه الاعتراف بوجود هذا التوتر والإقرار به.
هل أسمح لنفسي باتخاذ خطوات استباقية للظهور بمظهر أصغر سناً بطريقة صحية، أم أن الأمر تحوّل إلى هوس؟ يمكنكِ، بطبيعة الحال، أن تفعلي ما ترينه مناسباً لتحسين شعوركِ تجاه مظهركِ، غير أن ثمة فارقاً كبيراً بين السلوك الاستباقي والسلوك الهوسي المفرط الذي يتجاوز الحدود. لذا، انخرطي في حوار موضوعي مع شخص تثقين به لتقييم ما إذا كانت تصرفاتكِ قد بلغت حد الإفراط، وقد يكون من المفيد أيضاً الاستعانة بأخصائي نفسي للمساعدة على إبقاء الأمور في حدودها المتوازنة.
فالتقدم في السن ميزة ونعمة لا يحظى الجميع بفرصة عيشها، ولا بأس أبداً في ألا تبدي كما لو كنتِ في العشرين من عمركِ. يمكنكِ أن تبدي أصغر من سنكِ، أو ألا تبدي كذلك؛ ففي داخل كل منا ما هو أعمق وأكبر بكثير من مجرد مظهر خارجي، وهي حقيقة ينبغي لنا جميعاً أن ندركها.
الباحثون العراقيون Iraqi Researchers
